تعزز التسجيلات الصوتية صحة العلاقة التي جمعت المهدي الحيجاوي العراب باليوتيوبر البوق هشام جيراندو، و أن مضمونها ينسف الروايات التي تحدثت سابقا عن “فبركة” التسجيلات أو توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
هذه التسجيلات الصوتية توثق لقاءات متكررة بين الحيجاوي وجيراندو، وأن المهدي الحيجاوي، وفق ما ورد في التسريبات، يوجه محتوى الفيديوهات ويحدد المواضيع والأشخاص المستهدفين، بل ويطلب حذف بعض المقاطع أو الامتناع عن ذكر اسمه في مراحل معينة.
و تكشف هذه التسريبات قيام الحيجاوي بتمويل بعض المصاريف القانونية المرتبطة بجيراندو، من بينها أتعاب محامين، و أن ذلك يؤشر على وجود تنسيق مباشر بين الطرفين في إدارة، ”الحملات الرقمية”.
وفي جانب آخر هناك تسريبات تتضمن طلبات للتدخل لدى مؤسسات مغربية وقنصلية بالمغرب في كندا لفائدة أحد الأشخاص، هذه المعطيات تتناقض مع الخطاب الذي كان يقدمه جيراندو بشأن المؤسسات الرسمية.
الحلقة لم تقتصر على العلاقة بين الحيجاوي وجيراندو، بل تضمنت أيضا إشارات إلى رسائل ومحادثات تضعف روايات سبق أن روجها جيراندو بشأن امتلاكه قنوات اتصال مع مسؤولين مغاربة، و أن ما ورد في التسريبات يناقض تلك الادعاءات.
مع كل تسجيل أو محادثة جديدة مسربة بين النصاب هشام جيراندو والخائن المهدي حيجاوي، تتكشف معطيات إضافية حول أساليب اشتغال قائمة على صناعة الروايات وترويج الادعاءات غير المدعومة بالأدلة، واستهداف مؤسسات الدولة ومسؤوليها الأمنيين بحملات تشهير وابتزاز أكثر مما تستند إلى وقائع قابلة للتحقق.
وتكشف المحادثات المسربة بين الخائنين جيراندو وحيجاوي، والتي يتم تداولها على نطاق واسع، عن آلية متكاملة لصناعة روايات تستهدف مسؤولين ومؤسسات الدولة، أكثر مما تكشف عن معلومات موثقة أو معطيات قابلة للتحقق. فبعيدا عن مضمون الادعاءات نفسها، يبرز أسلوب إنتاجها وتداولها باعتباره العنصر الأكثر دلالة في هذه التسجيلات.
ويظهر من خلال المقاطع المتداولة أن الخائن مهدي حيجاوي يقدم نفسه مصدرا للمعلومات، بينما يتلقى النصاب هشام جيراندو تلك الروايات ويتفاعل معها باعتبارها معطيات جاهزة للنشر أو التداول، دون أن يتضح من سياق المحادثات وجود عملية تحقق مستقلة أو مطالبة بوثائق أو أدلة تدعم ما يقال.
وتتكرر داخل التسجيلات إشارات إلى المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) ومديرها ياسين المنصوري، إضافة إلى الحديث عن تاريخ الجهاز ومسؤوليه وآليات اشتغاله، غير أن هذه المعلومات تطرح في شكل روايات شفهية مجردة، لا ترافقها وثائق رسمية أو معطيات يمكن إخضاعها للفحص أو التحقق.
هذه التسريبات قيمتها ليست في مضمون ما تم تسريبه، وهو خطير بالمناسبة، ولكن ترسم صورة عن هذه العصابة التي تتجول في العالم تبحث عن أشخاص تقوم بابتزازهم، لكن تحت عناوين كبرى وهي فضح الفساد في المؤسسات، الذي يخفي نزعة للتشويه هناك من هو مستعد لأداء ثمنها خصوصا من خصوم المغرب.
وتبرز هذه التسريبات، التي أثارت نقاشا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، صورة مغايرة لما حاول الثنائي تقديمه للرأي العام خلال السنوات الماضية. فبدلا من خطاب يقوم على المعلومات الموثقة، تظهر المحادثات المتداولة اعتمادا متكررا على التخمين، وصناعة الإثارة، والبحث عن “السبق” الإعلامي حتى في غياب المعطيات الدقيقة.
والأدهى والأمر أنه لا يمكن للادعاءات أن تصمد أمام الواقع. والتضليل الذي تمارسه بعض المجموعات، الباحثة عن العلف، ينكشف مع الوقت. لا يكفي أن تزعم أنك تفضح الفساد وأنت تعيش فيه، بل تبيع نفسك رخيصة لمن يدفع أكثر، بل لمن يدفع أي ثمن مثلما عاهرات يعترضن طريق سائقي الشحنات الكبرى.
من آخر ما انكشف من فضائح لا يمكن سترها، تمكُّن هاكر محترف من اختراق مكالمات دارت بين مهدي جيجاوي، الموظف المطرود من الإدارة العامة للدراسات والمستندات، وهشام جيراندو، النصاب الهارف إلى كندا والمتابع من قبل محاكم المغرب وكندا، الذي استغل ظروف وجوده بالخارج ليبتز عشرات الأشخاص.
ويذكر أن فضيحة كبرى تفجرت قبل سنة بعدما ورّط جيراندو أفرادا من عائلته في الابتزاز، حيث لم يرحم أحدا بمن فيهم عائلته، الذين وظفهم دون أن يرف له جفن ودون أن يراعي أنهم يمكن أن يسقطوا في يد الأمن بسبب ارتكابهم لأفعال غير قانونية.
التسريبات، التي توصل إليها الهاكر، كشفت معدن جيجاوي وجيراندو، وبينت أن الهارب هو بوق للدعاية المؤدى عنها، يتلقى الأوامر، ببث الفيديو، لكن الذي لا يعجبهم أو ظهرت فيه بعض الإشكالات يتم توجيه الأوامر له بسحبه، وما أظهر أي اعتراض حيث كان جوابه الرضا بالأمر الواقع، فوراء كل هذا “التسنطيح” يوجد عبد ذليل حقير يتلقى الأوامر وينفذها.
وأظهرت التسريبات أن جيجاوي ليس بالمستوى الذي يقدم به نفسه، وأنه رجل نافذ ولديه علاقات رفيعة المستوى تمنحه فرصة الحصول على معلومات دقيقة، فظهر أن بعض الصفحات العشوائية والمغرضة تبعث لهم بعض المعلومات المضللة التي يتم استعمالها كما وصلت.
الطريقة التي يتحرك أفراد هذه العصابة، توحي بأنهم فعلا ينسقون، وتوحي بأن هناك من يدير هذه الشبكة، وبقي اسم الدكتور ملتبسا الذي كان يرافق المطرود ليلتقي بالهارب، وتم الحديث عن ملفات وعن منشورات وما ينبغي فعله وما ينبغي حذفه، بمعنى أن جيجاوي هو العرّاب، الذي يقدم صورة عن جيراندو كمعارض، وجيراندو هو البوق الذي يبتز المواطنين في الداخل والخارج.






