علماء وجامعيون وباحثون يقاربون موضوع : “العلاقات المغربية الإسبانية: مقاربات تاريخية وقانونية وسياسية” في الندوة الدولية لمؤسسة محمد بصير

محمد كسوة

تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، واحتفالا بالذكرى الواحد والخمسين لانتفاضة  المناضل سيدي محمد بصير التاريخية بالعيون، نظمت مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام ندوة علمية دولية، بتنسيق مع ماستر العلوم السياسية والتواصل السياسي ومختبر البحث في النجاعة الاقتصادية واللوجيستيكية التابعين لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يوم الخميس 15 يوليوز 2021، بمقر الزاوية البصيرية ببني عياط إقليم أزيلال تحت شعار: “العلاقات المغربية الإسبانية: مقاربات تاريخية وقانونية وسياسية”، حضرها كل من السيد والي جهة بني ملال خنيفرة وعامل إقليم بني ملال، والسيد عامل إقليم أزيلال السيد محمد عطفاوي، ورؤساء المصالح الخارجية والعسكرية، وشيوخ القبائل الصحراوية وعدد من المهتمين.

وفي كلمته في الجلسة الافتتاحية، أكد شيخ الطريقة البصيرية ورئيس مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام ، مولاي إسماعيل بصير، أن الذكرى الحادية والخمسين لانتفاضة المناضل سيدي محمد بصير التاريخية بالعيون تأتي هذه السنة وسط زخم من الأحداث التي تعرفها العلاقات المغربية الإسبانية والتي كشفت عن النية المبيتة للجارة الشمالية للإضرار بالمصالح الإستراتيجية للمملكة المغربية، وخاصة ما يتصل بالقضية المقدسة لدى كل المغاربة، وهي الصحراء المغربية.

وأوضح مولاي إسماعيل بصير أن “الاختفاء القسري للمقاوم سيدي محمد بصير له شق تاريخي يعود إلى إحدى وخمسين سنة مضت، وشق حقوقي إنساني يتمثل في إخفائه قسريا من قبل إسبانيا، وعدم الرغبة في الكشف عن مصيره، وشق سياسي متمثل في إخفاء إسبانيا مصيره والقضاء على حركته الوطنية الجهادية، واستيلاء وسرقة ميليشيات البوليساريو لتاريخه ووسم حركته الوطنية بالانفصال وهو منها براء.

وأضاف ذات المتحدث أن السلطات الاستعمارية الإسبانية قامت على إثر انتفاضة بصيري الشهيرة سنة 1970م باعتقاله وقتئذ، والتحقيق معه وسجنه وتعذيبه بسجن العيون، وإخفائه قسريا، وإخفاء الأرشيف المتعلق به، ومنذئذ لم يعرف مصيره؛ رغم المحاولات الكثيرة من طرف أسرته البصيرية لمطالبة الإسبان بالكشف عن مصيره، ورغم طول هذه المدة لم نلمس من الجانب الإسباني جدية ولا تجاوبا صادقا في هذه القضية الخطيرة التي يكفلها ويضمنها القانون.

وأعرب رئيس مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام عن استغرابه من ادعاء الدولة الإسبانية خلال الأحداث الأخيرة التي عرفتها العلاقات المغربية الإسبانية مقاربتها للاعتبارات الإنسانية المحضة، ومن جديتها في الرغبة في توطيد العلاقات الإنسانية والتاريخية والثقافية والاقتصادية والإستراتيجية مع المغاربة، تعزيزا لروح الشراكة وحسن الجوار، متسائلا عما منعها من الكشف عن مصير بصيري يوم قامت بتبادل الأسرى مع ميليشيات البوليساريو سنة 1975م، أو قبل هذا التاريخ أو بعده، خاصة أن الأمر يتعلق بقضية إنسانية؟.

وكشف مولاي إسماعيل أن زعيم ميليشيات البوليساريو كان جاسوسا لدى الإسبان، وكان يقوم بنقل كل صغيرة وكبيرة إلى السلطات الإسبانية، بدليل أنه سجن مع من سجن من مناضلي حركة بصيري؛ ولكنه لم يمض إلا فترة قصيرة وأطلق سراحه عكس البقية، وكان عنصرا ضمن قواتها المكلفة بالبدو، وظل يشتغل لصالحها لسنوات طويلة، وهكذا نفهم اليوم كيف نجا زعيم عصابة البوليساريو من العقوبة التي طالت الكثير من الشباب آنذاك.

وأشار شيخ الطريقة البصيرية إلى أن حسن الجوار والتعاون على أكثر من صعيد يقتضيان أن تكون الدولة الإسبانية من أوائل من يعترفون بكون الصحراء مغربية، خاصة أن الإسبان أول من استعمر الصحراء ويعلمون علم اليقين أنها كانت دوما تحت السيادة المغربية وأن تاريخ المنطقة يخلو نهائيا من وجود دولة تسمى الدولة الصحراوية.

وختم بالقول: “آن الأوان للنبش في الذاكرة الإسبانية وإعادة كتابة التاريخ الإسباني الحقيقي، خاصة أن الكل يعلم بأن شبح عشرات الآلاف من المفقودين وضحايا التعذيب لا يزال يسكن إسبانيا بعد رحيل فرانكو وبعد الحروب الأهلية التي سبقته، حيث خلفت أحداث القمع الدامي والتعذيب والإعدامات التعسفية وتهمة الانتماء للحزب الشيوعي أكثر من مليون قتيل ومفقود، وأن العدالة في إسبانيا وإلى حد الساعة ترفض طلبات الضحايا، وتقصي القضاة النزهاء من النظر في أمثال هذه الملفات”.

وفي كلمة باسم شيوخ وأعيان قبائل الصحراء المغربية، ألقاها شيخ قبيلة الركيبات أولاد موسى الأستاذ حسنا الإدريسي،طالبوا من خلالها الجارة الإسبانية بالاعتراف الفوري وبدون تردد بمغربية الصحراء سيرا على النهج الذي نهجته الإدارة الأمريكية باعترافها بسيادة المملكة على كامل صحرائها والإسراع بفتح قنصلية لها بالأقاليم الجنوبية إسوة بمجموعة من دول العالم التي تعترف بمغربية الصحراء وبدور المغرب الحاسم إقليميا ودوليا فيما يقدمه لإسبانيا ولأوروبا والعالم من تعاون أمني. كما طالبوا أيضا من الجارة الشمالية إجلاء الاستعمار بكافة أشكاله من التراب المغربي والكشف عن مصير محمد بصيري الذي اختفى في ظروف مجهولة.

ودعا شيوخ وأعيان القبائل الصحراوية، دولة إسبانيا إلى تحمل مسؤولياتها بكل صدق كدولة ديمقراطية تعمل على العدالة الإنسانية وحقوق الإنسان وكل المواثيق والقوانين الدولية والعادلة في الكشف الفوري عن المقاوم محمد بصيري وعن مصيره كان حيا أو ميتا.

وأكد الشيوخ وأعيان القبائل الصحراوية عن تشبثهم اللامشروط ب “وحدتنا الترابية والدفاع عنها بكل غال ونفيس انطلاقا من إيماننا بعدالة قضية الصحراء المغربية التي لا نبغي عنها بديلا إلا في إطار مشروعية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وراء العاهل المغربي باعتباره حلا واقعيا وديمقراطيا وعادلا وبإجماع دولي سيمكن أبناء الصحراء المغربية المحتجزين بمخيمات تندوف تحت قهر وسلطة العسكر الجزائري من الالتحاق بوطنهم المغرب إلى جانب إخوانهم أبناء الصحراء المغربية في تجويد أهداف النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه الملك محمد السادس نصره الله”.

ومن جهته، قال عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، خلال هذه الندوة التي شارك فيها علماء وشيوخ الطرق الصوفية ودكاترة وأساتذة أكاديميون من داخل المغرب وخارجه إن “الحقيقة هي أن محمد بصيري كان مناضلا وحدويا، وبطلا مغربيا سعى إلى تحرير الصحراء المغربية من المستعمر الإسباني، إلى جانب العديد من الشباب الصحراوي الوحدوي، ووَقَعوا ضحية آلة صناعة البروباغاندا التي لا تحترم حرمة الأموات ولا تصون سيرة الأبطال”.

وأضاف  أن “أهل محمد بصيري في أزيلال، وبالزاوية البصيرية في جبال الأطلس، ما زالوا ينتظرون ابنهم محمد بصيري حيا أو ميتا.. للاحتفال به كبطل وطني وحدوي، أو لإقامة خيمة العزاء على روحه الطاهرة.. أما أن تحتفل البوليساريو بذكرى اختطافه كذكرى للوحدة الوطنية، فهو عار وجُبن على جبين عصابة البوليساريو التي تعودت الاقتيات من مائدة المحتجزين بتندوف، أو تحريف مسيرات الصحراويين الوحدويين كمحمد بصيري”.

هذا وقد عرفت فعاليات الندوة، حفل تكريم لفائدة الطلبة الناجحين بتميز في امتحانات البكالوريا بمدرسة الشيخ سيدي إبراهيم البصير الخاصة للتعليم العتيق،  كما جرى استحضار روح الراحل سيدي أحمد رحال، رفيق المناضل سيدي محمد بصير في الكفاح ضد الاستعمار الإسباني في الجنوب المغربي؛ بالإضافة إلى توقيع اتفاقية شراكة بين مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية.

وإلى جانب ذلك، عرفت الندوة في الجلسة الصباحية الثانية مداخلات متنوعة لعدد من العلماء والباحثين والأساتذة الجامعيين وشيوخ الزوايا والطرق الصوفية، منه مداخلة للشيخ علي الريسوني، شيخ الزاوية الريسونية بشفشاون، بعنوان: “لمحات من تاريخ كفاح شمال المعغرب ضد الاستعمار الإسباني ومقترحاتنا للمرحلة الراهنة”، ومداخلة الشيخ عبد الحكيم امباكي، ابن الشيخ محمد المنتقى، الخليفة العام للطريقة المريدية بدولة السينغال بعنوان: “موقف الطريقة المريدية الثابت في التضامن مع الوحدة الترابية للمملكة المغربية”، ومداخلة الدكتور عبد الرحيم العماري، عضو مختبر القانون العام وحقوق الإنسان، بعنوان: “القانون الدولي لحقوق الإنسان وقضية دخول زعيم ميليشيات البوليزاريو لإسبانيا بهوية مزيفة “، ومداخلة الأستاذ باهي العربي النص، رئيس مركز السلام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالعيون، بعنوان:” الإرث التاريخي وانعكاساته على العلاقات المغربية الإسبانية”، ثم مداخلة الدكتور هاشم أحمد الطيب الفاتح محمد الفاتح قريب الله، شيخ الطريقة السمانية،أستاذ بجامعة أم درمان السودان بعنوان: “صوفية الطريقة السمانية بإفريقيا يتضامنون مع الوحدة الترابية للمملكة المغربية ويشجبون تعامل الدولة الإسبانية”.

وتميزت الجلسة الثالثة (المسائية) بمداخلة الدكتورعوفير مبارك، أستاذ بمختبر البحث في النجاعة الاقتصادية واللوجيستيكية التابع لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، بعنوان: “العلاقات المغربية الإسبانية علاقات صداقة وتوجس”، ومداخلة الأستاذ الباحث ابن عبد الفتاح محمد سالم، رئيس المرصد الصحراوي للدفاع عن حرية الإعلام والتعبير، بعنوان: “الحقوق المدنية والسياسية بين ضفتي الجدار.. قبل جلاء المستعمر الإسباني وبعده”، ومداخلة الدكتور سعيد خمري، رئيس شعبة القانون العام والعلوم السياسية، منسق ماستر العلوم السياسية والتواصل السياسي بعنوان:” قضية الصحراء المغربية في أيامنا الراهنة: مبادئ قانونية”، مداخلة الشيخ الدكتور بدري المداني، المنسق العام للطريقة المدنية الصوفية بتونس، عضو الاتحاد العالمي للتصوف: “صوفية تونس يتضامنون مع الوحدة الترابية للمملكة المغربية ويشجبون تعامل الدولة الإسبانية”، مداخلة الأستاذ إبراهيم إيشولا أحمد الرفاعي، من دولة نيجريا، باحث في مسلك الدكتوراه بجامعة القرويين، مؤسسة دار الحديث الحسنية، بعنوان:” صوفية الطريقة التيجانية بنيجريا يتضامنون مع مغربية الصحراء ويدينون تعامل الدولة الإسبانية”. ثم مداخلة الدكتور رحال بوبريك، أستاذ باحث، معهد الدراسات الإفريقية، جامعة محمد الخامس الرباط، بعنوان: ” إسبانيا ومشروع خلق كيان في الصحراء: 1958م- 1975م”. ومسك الختام رفع برقية ولاء وإخلاص إلى مقام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

وعرفت الجلسة الختامية حفل إنشاد ومديح وسماع لمنشدين المغرب، والدعاء الصالح لمولانا أمير المؤمنين من قبل خادم الطريقة البصيرية.

Loading...