تقديم كتاب الأدب الشعبي الحساني بجهة العيون الساقية الحمراء

أكد محمد ولينة ماء العينين، رئيس اتحاد الشعراء بالجهات الجنوبية الثلاث خلال حفل تقديم كتاب الأدب الشعبي الحساني، ضمن فعاليات الدورة الثالثة لمهرجان القصيدة البدوية المستمرة بالعيون، أن هناك دوافع كثيرة تقف وراء إنجاز هذا الجرد، سواء تعلق الأمر بتنزيل مشاريع التنمية المندمجة لجهة العيون الساقية الحمراء في الشق المتصل بمقتضيات المكون الثقافي، أو ارتبط بتنامي الوعي المؤسساتي والمدني والعلمي لصون الأدب الشعبي الحساني الشفهي والخصوصية الثقافية، أو بُغية العمل على إنقاذ التراث المروي، ألن النسيان بدأ يصيب الذاكرة التي ظلت تحفظ هذا الأدب الشعبي، وذلك نظرا لتغير نمط العيش والتنشئة الاجتماعية، وتسارع الحياة وتعقدها داخل فضاء المدينة.

ونظرا لكون النسق المعرفي والتربوي والمعيشي للإنسان الصحراوي بجهة العيون الساقية الحمراء، قد تغير فإن الذاكرة الفردية والجمعية أصبحت تفتقد القدرة على حفظ مروياتها الشفهية التي أوشك أن يطالها النسيان.

وأوضح محمد ولينة ماء العينين ، أنه لاحظنا أثناء قيامنا بإنجاز هذا الجرد أن عددا كبيرا من الرواة الذين تتم مقابلتهم يروون ألغازا نسوا حلها، و بعد جهد مضن نصادف شخصا وحيدا يقدم الحل المطلوب.

وبذلك ترتبت لدينا قناعة راسخة أن المسؤولية ملحة وأن الوقت قد حان لحماية هذا الأدب الشعبي المروي من خلال كتابته ونشره، وأي تأخير في هذا الأمر يعني تعرضه للاندثار،

وعلى العموم يمكن القول أن دواعي جرد الأدب الشعبي الحساني بجهة العيون الساقية الحمراء

تتمثل في :

الدافع الأول : أن هذا الأدب يمتد على مجال جغرافي شاسع ومترامي الأطراف، وهو وليد تصاهر حضارات ومجتمعات استقرت على هذه الأرض وعمرتها لفترات زمنية.

كما أنه مفتاح لفهم الإنسان الحامل له، لكونه يعبر عن تجاربه ورؤاه وأنساقه المعرفية، وهو ما جعله يتميز بسمتي التفرد والتعدد.

الدافع الثاني: جعل هذا الأدب الغني في متناول القراء والطلبة والدارسين ومراكز البحث العلمي، كمادة ثرية تشكل إضافة نوعية للتراث الوطني والعربي والعالمي نظرا لما تحمله من قيم وما تزخر به من أفكار يمكنها أن تفيد أجيال الحاضر والمستقبل.

الدافع الثالث: العمل على توفير نصوص من الأدب الشعبي الحساني بجهة العيون الساقية الحمراء يمكن إدراجها ضمن المقررات الدراسية الجهوية لفائدة المتعلمات والمتعلمين. مراحل إنجاز الجرد يمكن إيجاز المراحل التي مر منها إنجاز هذا العمل في مرحلة الإعداد : واستغرقت هذه المرحلة مدة ستة أشهر من الاجتماعات التحضيرية بين مجلس جهة العيون الساقية الحمراء والمديرية الجهوية للثقافة ومركز الدراسات والأبحاث الحسانية بغية الاتفاق على منهجية العمل ومجالات التراث الثقافي الشفهي الحساني التي سيتم التركيز عليها ومعايير اختيار أعضاء اللجنة العليمة المشرفة وتحديد الذاكرات الحية والاتفاق على أسماء المجمعين ومنسقي الأقاليم الأربعة المشكلة لتراب الجهة. وفي ما يخص مرحلة التكوين والتأطير فقد أكد السيد محمد ولينة ماء العينين أن  هذه المرحلة استهلت  بتنظيم دورة تكوينية لفائدة المجمعين الذين سيقومون بالإشراق على جمع المتن الشفهي الشعري والنثري ( الحكايات والألغاز والأمثال الحسانية ) من خلال مقابلات مباشرة مع الرواة في كل من أقاليم السمارة وبوجدور وطرفاية والعيون. حيث أشرف على تأطير هذه الدورة التكوينية الأستاذ مصطفى النامي تغمده هللا بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته( منسق تفعيل اتفاقية اليونيسكو 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي بمديرية التراث الثقافي التابعة لوزارة الثقافة.

واضاف محمد ولينة ماء العينين ، أنه تم تنظيم مجموعة من اللقاءات التأطيرية والتواصلية مع المجمعين والرواة لتوحيد الرؤى وتقسيم المهام وتحديد المسؤوليات وطبيعة العمل ومنهجيته والرزنامة الزمنية المخصصة لإنجازه.

مرحلة الجمع: وهي المرحلة التي بدأت من إقليمي السمارة وبوجدور ثم بعد ذلك إقليمي العيون وطرفاية، حيث عقدت اجتماعات مع المجمعين والرواة وتم تحديد منسقي فرق الجمع والاتفاق على تفريغ المتن المحصل عليه بالمندوبية الإقليمية للثقافية بالسمارة والمركز الثقافي ببوجدور والمركز الثقافي بطرفاية والمديرية الجهوية للثقافة بالعيون وتسليم المرويات الكاملة عند الانتهاء من عملية الجرد في الوقت المتفق عليه سلفا لمركز الدراسات والأبحاث الحسانية بالعيون.

وأتيحت الفرصة للمجمعين الاختيار طرق وكيفيات وآليات التواصل والتنسيق مع الرواة للحصول على المستوى المطلوب.

وابرز محمد ولينة ماء العينين ، أنه قام المجمعون بتسجيل كل المرويات –كتابة وصوتا- التي زودتهم بها الذاكرات الحية. مضيفا في هذا الصدد ، أن اختيار هؤلاء الرواة قد اعتمد على عدة معايير نذكر من بينها على وجه التحديد:  أن يكون الراوي قد تجاوز سن الأربعين فما فوق، مع العمل على توفير الأجواء الملائمة لجعله يعيش نفسيا في فضاء زمن البداوة لتتمكن ذاكرته من استعادة قدرتها على تمثل واستلهام المتن الشعري أو النثري الذي سيقوم بإنشاده أو سرده على أتم وأكمل صوره.

– أن يتم الالتزام بمراعاة النوع الاجتماعي، من نساء ورجال حتى تمنح الفرصة للإناث والذكور للمساهمة في صون تراثهم وتقديمه للأجيال اللاحقة لتعي أن هذا التراث هو إبداع وملك ثقافي جماعي ال فضل فيه لطرف على آخر.

وبخصوص مرحلة التفريغ ، فقد أكد محمد ولينة ماء العينين  ،أنه خلال هذه المرحلة قام المجمعون بتفريغ التسجيلات الصوتية بكتابتها وتبويبها حسب الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه )الشعر ، الحكايات، الألغاز ، الأمثال (، وبعد الانتهاء من هذه العملية تم تسليها لمدير مركز الدراسات والأبحاث الحسانية ليسلمها بدوره أعضاء اللجنة العلمية المشرفة على برنامج الجرد. وحري بالذكر أن طبيعة العمل في هذه المرحلة قد اقتضت مراعاة مجموعة من الشروط، نذكر منها على سبيل المثال ال الحصر:

– اعتماد الأمانة العلمية في كتابة الشعر والأمثال والألغاز وخاصة الحكايات الشعبية الحسانية، بما فيها من تكرار واستطرادات، حتى ال يتم تغييب جزء هام من عملية التوثيق المتصلة بتدخل ذات الراوي كناقل للمتن الحكائي، وكمساهم في إضافة معطيات وأحداث أو حذفها بسبب النسيان أو نتيجة تدخل من أخذها عنهم.

– احترام وجود بعض الفوارق اللهجة للرواة، والحرص على كتابتها بالشكل الذي وردت به، ألنها تعكس جانبا من الخصوصية المحلية التي أصبحت داخل الجهة، وتُـبرز بجلاء تأثير انفتاح المنطقة على بنيات اجتماعية وثقافية وافدة عليها. مرحلة الفرز والتبويب: بعد اكتمال عملية الجمع والتفريغ، بدأت المرحلة الموالية وهي مرحلة الفرز والتبويب، فقامت اللجنة العلمية بقراءة كل النصوص الواردة عليها وكتابتها بنفس الخط والحجم وتصنيفها وتوزيعها حسب الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه. وخلال هذه المرحلة تم تبني منهجية تقوم على المبادئ التالية:

– اعتماد النصوص التي يكون موضوعها ومغزاها متناسقا؛

– أن تكون بينة النص محكمة ولغته واضحة وغير متنافرة، وهو أمر يبرز مدى خبرة الراوي وقوة ذاكرته وتمكنه من المتن؛

أن يحترم الراوي المتن الأصلي على مستوى الصياغة وأن ال يقوم بزيادة تخل بالنص وتضرب بمصداقية الرواية الشفهية؛

– الاستغناء عن النصوص المكررة والمتطابقة من حيث المضمون والمقومات الفنية والجمالية؛ – أن تكون النصوص قديمة، بحيث تجري أحداثها أو تركز مضامينها على زمن البداوة والترحال، حتى ال توصف بعدم الأصالة أو الوضع؛

– المزاوجة بين تدوين النصوص الطويلة والنصوص القصيرة، وخاصة في فني الشعر والحكايات الشعبية الحسانية؛

– إهمال بعض العبارات والتراكيب التي ال تتناسب مع الأخلاق والقيم، خاصة وأن المجتمع الذي أبدع هذه المرويات الشفهية كانت – وال تزال- تغلب عليه صفات الحشمة والحياء بين الكبار والصغار وبين الإناث والذكور؛

وأوضح محمد ولينة ماء العينين ، أنه ثم ترتيب النصوص الشعرية وفق الحروف الأبجدية للروي وترتيب الأمثال ترتيبا ألف بائجا وترتيب الحكايات وفق المضامين وترتيب الألغاز والأحاجي وفق تيمتها. مرحلة التأليف: بعد انتهاء عمليتي الفرز والتبويب، عملت اللجنة العلمية على وضع تبويب كتاب يحمل عنوان: “الدب الشعبي الحساني بمجال الساقية الحمراء.. جرد وتصنيف”، مضيفا أنه قد راعى هذا العنوان أن يركز على أشكال التعبير الشفوي وخاصة الشعر والأمثال والألغاز والحكايات الشعبية الحسانية ويقوم بجردها وتصنيفها.

و في الأخير أكد السيد محمد ولينة ماء العينين أن الهدف يتمثل من جرد وتصنيف هذا الأدب في توفير مدونة تساعد الدارس والمهتم على استنطاقه واستلهامه ومقاربته سواء على المستوى الأكاديمي أو على المستوى التربوي أو من خلال العمل على استثماره في العالم أو السينما والتلفزيون.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*