محمد السادس الملك الإنسان

عندما تلقي القناعات الفكرية بالسلوكات العملية، وتلتحم النظرية بالتطبيق، ينشط الفعل على أرض الواقع، ليصبح الأمل قريب، وتدنو الثمار من قاطفها.
لقد استطاع الملك الشاب الطموح أن يجس نبض طموحات الشباب وبتفاعل معه، ليجعل مشاريعه المستقبلية تسير وفق إيقاع ذلك النبض المتسارع، الذي يستعجل لحظة معانقة الأمل في الغد المشرقـ بل واستطاع أن يسرع وثيرتها بفضل ما حققه على أرض الواقع من إنجازات في المجالات المختلفة.
ولعل تعريف الملك للديمقراطية، ما هو إلا ترجمة نظرية لسلوكاته الفعلية حيث تنتفي كل مفارقة أو تفاوت بين ما يراه وما يفعله، وهو تعريف ينم عن ثقافة عالية وإدراك حقيقي لماهية هذا المصطلح، حيث يقول نصره الله «إن حديثنا عن خصوصية الديموقراطية لا يتعلق لجوهرها الذي نتقاسم مع المؤمنين به والمناضلين من أجله – شمالا وجنوبا- قيمه المثلى، كأفضل نسق للحكم وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولتدبير الشأن العام سياسيا كان أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو ثقافيا، ولضمان حقوق الإنسان وكرامته، ولكن يتعلق بخصوصية تمايز المسارات التاريخية والمرجعيات الحضارية والثقافية والشروط الاقتصادية والاجتماعية والآليات المؤسسية المحيطة بإقامة الصرح الديموقراطي والتي تجعل بناءه المستمر ينطوي على نماذج مختلفة باختلاف الشعوب والحضارات…».
ولا يخفى البعد الإنساني لهذه النظرية التي تحترم خصوصية الإنسان باعتباره طاقة تتفاعل مع محيطها، وتستمد استمراريتها من خصوصية بيئتها في معناها العام. فقد أدرك جلالته بفضل حكمته التي ورثها عن والده المغفور له الملك الحسن الثاني أن سبب انتكاسة الديموقراطية في الدول النامية، رجع إلى تجاهلها لخصائصها الثقافية والتاريخية وتجاوزها للاعتبارات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تختلف من بلد لآخر، فانتهج الطريق الصحيح للديموقراطية، محتكما إلى خصوصيات المغرب المختلفة، ومستحضرا مرجعياته التاريخية والدينية والحضارية، ومرسخا إياها كأسس طالما حافظ عليها سلفه العظيم ليكسب هذا البلد العريق سماته المستقلة، وخصائصه الحضارية الأصلية المتشبعة بروح الإسلام، مستشرف باستمرار آفاق التقدم والازدهار ومتابعا مسيرة الوحدة والتنمية بخطى واثقة نحو ترسيخ دولة الحق والقانون، حيث تتحقق الممارسة الفعلية للحقوق الأساسية للإنسان، وتصبح المبادرة الحرة انعكاسا للمساواة في الفرض من دون تمييز.
من هنا انطلق جلالته، متحديا كل العوائق وكاسرا الحواجز، ومن خلفه شعبه الوفي الذي سعد فقراؤه بمصافحة يده الكريمة التي امتدت في صورة إنسانية فريدة لتؤازرهم وتعدهم بالغد الأفضل، وحظي ذووا الاحتياجات الخاصة بدفء معانقته لتنتشي آمالهم، ويخرجوا بثقة من عتمة العزلة والتهميش إلى نور الحياة النشيطة، حتى أصبح الكل يلاحظ الثقة التي طبع سلوك هذه الفئات من المجتمع وعلامات البشر التي ترتسم على وجهها، كيف لا وهي تحظى برعاية عاهلها الذي آمن بحقها في العيش الكريم، ولم يستهن بقدراتها على الطاء وفقا لتربيته الدينية الأصيلة ومشاعره الإنسانية الراقية حيث يقول: «كيف يدرك تكافؤ الفرص وإتاحتها للجميع إذا كان المعوقون جسديا يهمشون ويبعدون عن الميادين التي هم لها مكونون ومستعدون في حين أن الإسلام وهو دين التكافل والتكامل يدعو إلى الاهتمام بالمستضعفين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع والأخذ بيدهم ليكونوا أعضاء فيه عاملين منتجين».
إن المتأمل في خطابات جلالته والمتابع لأعماله الجليلة لا يسعه إلا أن يتأثر أشد التأثر بمشاعره التي شفت لتتفاعل مع حاجات الشعب بمختلف فئاته، حتى لتجده يشرف بنفسه على وجبات الإفطار الرمضانية على الفقراء والمعوزين بتواضع أمير لمؤمنين العادل الذي يحس بعجز الشيخ، ويتأثر لحرمان الفقير، ويواسي المقهور ويعين المحتاج، فلا يتردد في تنظيم حملات وطنية للتضامن من أجل محاربة الفقر باعتباره آفة اجتماعية، تعيق مسيرة التقدم والازدهار. وليست «مؤسسة محمد الخامس للتضامن» إلا تمثيلا لرغبة ملكنا المؤيد بالله، وحرص والده المنعم على إسعاد هذا الشعب وتخفيف همومه، وفي هذا الصدد يقول الملك: « وسنول عنايتنا كذلك مشكلة الفقر الذي يعانيه بعض أفراد شعبنا وسنعمل بمعونة الله وتوفيقه، على التخفيف من حدته وثكله. وفي هذا الصدد كان والدي رحمه الله قد شرفني بقبول اقتراح إنشاء مؤسسة اختار لها من بين الأسماء اسم مؤسسة محمد الخامس للتضامن، تهتدي بشؤون الفقراء والمحتاجين والمعوقين، عاهدنا أنفسنا على تفعيل دورها، وإحاطتها بكامل الرعاية والدعم».
وامتدت اليد البيضاء للملك، لتشجيع وضعية العيش في أوصال القرى، بفك عزلتها، وتحسين وضعية العيش فيها إيمانا من جلالته بأن التنمية الشاملة لا تتحقق إلا بالنهوض بالعالم القروي الذي يشكل جزءا هاما من هذا الوطن العزيز، وتحظى ساكنته باهتمام قائدها الهمام، كما كانت في عهد والده أنعم الله عليه، وهكذا نجده يتسائل في الخطاب الذي ألقاه في ذكرى ثورة الملك والشعب، عن إمكانية التنمية في غياب إستراتيجية تنموية مدمجة تنهض بالمجال القروي:«إن تأمل هذا الواقع ليجعلنا نتسائل في ألم وحسرة، كيف يمكن تحقيق التنمية الشاملة وعالمنا القروي يتخبط في مشاكل تضطر ساكنته إلى التخلي عن الأرض التي جعلها ذلولا للاسترزاق منها، والهجرة إلى المدن في غيبة إستراتيجية تنموية مدمجة، قائمة على  تنظيم الأنشطة الفلاحية وغيرها، والاهتمام بالسكن والتعليم وتحسين مستوى التجهيزات الأساسية والحد من الهجرة بوضع خطة تراعي النهوض بالجماعات القروية، وإنشاء أقطاب جديدة للتنمية في المراكز المحيطة بالحواضر، وكذا تدبير التقلبات غير المتوقعة كالجفاف وما إليه».
هذه المشاطرة لهموم الساكنة القروية، والتحصر على أوضاعها تعكس أولوية الجانب الإنساني في اهتمامات هذا الملك الشاب الذي نفع الله به وبأسلافه الميامين هذا الشعب الأبي وهذا الوطن الكريم.
وإذا كان الإنسان محور اهتمامه نصره الله، فإن فئة الشباب طاقة خلاقة يعول عليها لتحقيق النقلة المنشودة إلى عالم التحديث والازدهار، ومن هنا كان سعيه لإسعاده غاية ووسيلة في ذات الوقت غاية لأنه الإنسان الذي يحرص على هنائه وأمنه واستقراره، ووسيلة لأنه طاقة فاعلة ومنتجة من أجل النهوض بالبلاد وازدهار الوطن، تحقيقا لرغد العيش. وهكذا نجده يدعوه باستمرار إلى الانخراط في مسيرة البناء والتنمية، فيقول:«إن الشباب المغربي يجتاز مرحلة التحول وأن الأهم هو أن يكون الشباب متشبثا بالأمل، مؤمنا بقدراته وبالدولة، ولكن بقدراته قبل كل شيء»، وبقدر إيمانه بقدرة هذا الشباب على العطاء نجده يستنهض همته، ويسعى إلى تحريك قيمه الوطنية الكامنة، التي باستطاعتها أن تجعل منه قوة فاعلة، ووسيلة تغير ناجعة، مراهنا في ذلك على حسن النوايا في مرجعية دينية تنم عن إيمانه العميق بعون الله القائل عز وجل: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا) وخطاباته في المناسبات المختلفة تترجم هذا الإيمان حيث يقول مثلا في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب، بعد أن يذكر اهتمام والده الملك الباني، وجده الملك المجاهد بفئة الشباب: «يطيب لنا أن نحتفي بذكرى  ميلادنا في نفس هذا الإطار الاحتفالي المجيد الذي نريده أن يكون فرصة متميزة للالتقاء بالأجيال الصاعدة، والتواصل معها، والتحفز مما ترمز إليه من تطلع وطموح، وما يملأها من قوة وإقدام،لإثارة مختلف القضايا، والمشاكل التي تواجهها، والبحث عن حلول ناجعة لها والأخذ بيدها لتنفتح على المجتمع، وتندمج فيه بمواطنة إيجابية فاعلة، ولتؤدي بذلك رسالتها وتحقق ذاتها، وما تتطلع إليه من عز ومجد، يدركهما من كد وجد، وإذا تسنى هذا المطلب السامي للشباب الذي يهون عليه كل صعب، والذي هو دعامة الغد المأمول، أمكن التصدي الحازم لكل العوائق، التي تكبل طاقاته… وأمكن التجدد للنهوض بمغربنا الحبيب بعزيمة ثابتة، وبرؤية متفائلة بعيدة الآفاق تنطلق من مقومات شخصيته، وأصالته لتساير العصر في شتى تطوراته، ومستجداته، وتتأهب لبناء المستقبل ورفع تحدياته».
ولعل النهوض بالقطاع التعليمي، والالتزام بحقوق الإنسان وصون كرامته، وضمان حريته، من أهم مرتكزات التنمية التي يقوم عليها المغري، إذ لا تقدم بدون حرية، ولا قيام لحضارة في غياب العلم والمعرفة، لذلك كان التعليم مجالا بغير حدود، ولا شروط، حيث أصبح حقا مكفولا للقاصي والداني، للصغير والكبير بشكليه النظامي وغير النظامي،وفي هذا الصدد يقول جلالته:«إن غايتنا هي تكوين مواطن صالح قدر على اكتساب المعارف والمهارات، مشبع في نفس الوقت بهويته التي تجعله فخورا بانتمائه مدركا لحقوقه وواجباته… كما ننبه إلى ضرورة الاعتناء بالتربية غير النظامية، وما يتطلبه التغلب على الأمية من تعبئة وطنية للحد من تفشيها ومحو آثارها… لكونها عائقا يعرقل مسيرة التنمية».
ولأن الحرية هي الفضاء الواسع الذي تتنفس فيه الآمال، وتنتشي الحركة، وينشط العطاء، كانت نظرة الملك بتلازم المسيرتين الديمقراطية والوحودية، من أجل مواطن نشيط في بلد حر أبي منيع على الغاصب، هذه النظرة المشبعة بالقناعة والإيمان تتجدد دفعاتها لتتعانق مع تجديد العهد على التشبث بالوحدة الترابية للوطن وحماية حدوده بحلول ذكرى المسيرة الخضراء في السادس من نونبر من كل سنة. هذه الذكرى التي يدعو جلالته إلى استلهامها واستنطاق دروسها لتحقيق المزيد من العطاء والإنجاز «إننا ونحن نحيي هذه الذكرى الوطنية الغالية لاستعادة أهم ملاحمها واستحضار أبرز دلالاتها نتوخى مزيدا من العبر والاستنارة بقبسها كي نهتدي بها في المسيرات العديدات التي اخترنا أن نخوض غمارها بنفس روح المسيرة الخضراء لإنجاز ما يتحتم من إصلاح وتغيير قصد النهوض بالمغرب الموحد وتأهيله ليتخذ المكان اللائق به بين الدول المتقدمة في القرن لمقبل إن شاء الله».

Loading...