لصوص المناسبات الدينية في بلدي..

كلما اقتربت المناسبات الدينية في بلدي (رمضان، عيد الفطر، عيد الأضحى)، تكثر حولنا التحذيرات من احتمالات السرقة والنصب. يروي الكثير من المواطنين عن مقالب تعرضوا لها خلال تلك الفترات: عمليات نصب واحتيال أو عمليات سرقة بالعنف والتهديد.

تتعدد التفاصيل، والنتيجة واحدة: خلال هذه المناسبات، يُقَدّر الكثير من اللصوص أن مواطنين غيرهم يحملون معهم مبالغ لا بأس بها لشراء ملابس العيد، الأضحية، أو أغراض أخرى حسب المناسبات.

هذا من دون الحديث عن أولئك الذين ينصبون على الناس من خلال بيعهم الأضاحي للعيد والتي تم علفها بشكل سيء وستكون لحومها غير قابلة للاستهلاك؛ وهي ظاهرة انتشرت في السنوات الأخيرة جعلت بعض الأسر ترمي خروفا بأكمله بعد ذبحه؛ الأمر الذي يشكل كارثة حقيقية بالنسبة لها، خصوصا حين نعي العبء المادي والرمزية المهمة لعيد الأضحى لدى معظم الأسر.

كذلك، يحدث عند نهايات الشهر أن يتعرض البعض للسرقة في الحافلات، لنفس الأسباب تقريبا: يعرف أغلب اللصوص أن عددا من المستخدمين الصغار قد حصلوا على رواتبهم حينها.

في هذه الحالة، الأمر يتعلق بمستخدمين صغار يحصلون على رواتبهم نقدا، حيث أن أغلب الموظفين الحكوميين والعاملين في القطاع الخاص المهيكل، يحصلون على رواتبهم عبر تحويلات بنكية.

هذا يعني أن اللص الذي يسرق راكب الحافلة، هو في الواقع يسرق مواطنا فقيرا، بل لعله يكون أفقر من اللص نفسه. لأنه أولا، يركب الحافلة في بلد يعرف جميع من فيه الوضع المتردي لأغلب الحافلات، خصوصا في مدينة كالدار البيضاء. ولأنه ثانيا، يشتغل في الغالب في قطاع غير مهيكل وبأجرة بائسة، وإلا لكان بدوره حصل على راتبه عن طريق تحويل بنكي مباشر لحسابه.

ما الذي يجعل لصا يسرق الأجرة الشهرية لشخص بائس لن يجد ربما وسيلة لأداء كراء بيته المتواضع أو لإطعام صغاره؟ هذا طبعا ليس تبريرا لسرقة من يفترض أنهم أغنى، فكل أشكال السرقة مرفوضة.

لكن، لنعد للحالات المذكورة أعلاه، والمتعلقة بالسرقة خلال المناسبات الدينية. علينا في الواقع أن نسائل جديا الواقع الذي تترجمه: في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه المناسبات الدينية فرصة لتطوير الوازع الديني والجانب الأخلاقي؛ تصبح على العكس من ذلك فرصة للنصب والاحتيال والعنف والسرقة. والأخطر أن يصبح ذلك متعارفا عليه، وإن بكثير من الامتعاض، بين أغلب المواطنين؛ حيث يكتفي هؤلاء بتحذير بعضهم البعض أو بالتأفف والتذمر.

ألسنا مرة أخرى أمام مرآة مفجعة لواقعنا البائس الذي يتغنى بشعارات الأخلاق والدين، بينما هو غارق في بؤسه القيمي؟ ما الذي يجب أن يزعجنا أكثر في الواقع، أمنظر فتاة بتنورة قصيرة أم منظر امرأة تفني سنوات عمرها وطاقتها في مهن تدر عليها القليل، فيسرق منها لص ذلك المبلغ الزهيد قبل أن تشتري ملابس العيد لأطفالها؟ أيهم ضد الأخلاق، أذلك الرجل الذي يشرب الكحول أو يفطر في رمضان، أم ذلك الذي يستغل المناسبات الدينية أو غير الدينية ليسرق أرزاق الناس؟ أيهم يفترض أن يزعجنا فعلا، أتلك المرأة أو ذاك الرجل اللذان يعيشان علاقة عاطفية خارج الزواج، أم ذلك الحقير الذي ينصب على امرأة فقيرة تستعد لشراء خروف العيد، فيسرق كل رزقها ويحرم أسرتها من فرحة قد تكون نادرة خلال باقي أيام السنة؟

حتى لا يخرج علينا مجددا من يقول بأن هذا هجوم ضد المناسبات الدينية: إنه في الواقع هجوم ضد نفاقنا المستدام. المناسبات الدينية يفترض أن تكون فرصا جميلة ليتدبر المؤمن علاقته بربه وبالعالم المحيط به. أن تكون فرصا لتنقية الأعماق من شوائب المشاعر والسلوكيات. أن تكون فرصة لصلة الرحم. أن تكون فرصة لعودة القيم الجميلة. لكن، حين يحولها البعض إلى فرص للنصب والعنف، وحين يعتبر البعض الآخر بأن هذا جزء من “الديكور العام” ومن مستلزمات الاحتفال، فهذا يعني أننا أصبحنا فعلا مجتمعا مريض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll Up
error: المحتوى محمي !!