في حوار مع الفنان الأمازيغي الكبير لحسن اشيبان.. حكيم منطقة الريش  إنه فنان قدير استوطن قلوب الجميع وعشق «لوتار»

لحسن اشيبان من مواليد منطقة الريش، تلقى تعليمه الأولي بالكتاب والمدرسة الابتدائية بنفس المنطقة، بدأ محاولة مواجهة شعراء ” أسايس ” وهو دون الرابع عشرة من عمره.

درس بالكتاب وبعده بالمدرسة الابتدائية، لكن جاذبية «لوتار» و قصائده النابعة من محيطه والحياة التي يعيشها، كانت أكثر دفئا وسحرا من كراسي الدراسة.

لحسن اشيبان في حوار له مع “مجلة الأنباء”، معاناة وواقع الفنان الأمازيغي، كما تطرق لحسن اشيبان إلى تداعيات إشكالية اللغة الأمازيغية المعيارية، منتقدا متبني هذه اللغة التي تقف حائلا لفهم عامة الأمازيغيين للشعر الذي يتضمنها، كما عارض علي لحسن اشيبان أولائك الذين يقولون بأن الدين قتل اللغة الأمازيغية مشيرا إلى أن الدين الإسلامي بالعكس ساهم في إحياء اللغة الأمازيغية.

وهكذا تأثر كثيرا بالمرحومين حمو اليازيد وبوزكري عمران ومحمد رويشة وآخرين، وبفضل جهوده المتواصلة وعزيمته القوية تمكن من تأسيس مدرسة متميزة في الغناء الأمازيغي، إذ أتقن العزف على لوتار فاق به كل الذين سبقوه أو عاصروه على حد سواء، وبفضل نبوغه استخرج سلاليم موسيقية فريدة، وبالإضافة إلى عبقريته في العزف على آلة الوتر، فهو يبحث عن أشعار الشعراء المرموقين متعاونا في ذلك مع الباحثين والمثقفين.


تنوعت مواضيع أغانيه بين ما هو وجداني عاطفي وديني أخلاقي وإبداعي فلسفي. ويبقى لحسن اشيبان ذلك الفنان المقتدر العصامي الذي اجتهد وجدد إلى أن وصل مستوى عاليا في الفن منحه الشرف والتقدير.
يعد الفنان لحسن اشيبان من عمداء الأغنية المغربية.
قام بتحديث وتطوير الأغنية الأمازيغية وكان له تأثير إيجابي على مجموعة من الفنانين الشباب الذين أطرهم وشجعهم على الغناء والتألق الفني. وبفضله أصبحت الأغنية الأمازيغية منفتحة على محيطها الاجتماعي والثقافي واللساني، وأصبحت ذات قيمة فنية مضاعفة.
والفنان  لحسن اشيبان لا يفرق بين اللسانين الأمازيغي والعربي، إذ يغني بالأمازيغية والعربية على حد سواء، وبلغ صيته المدن والقرى والمداشر، ولمع اسمه على المستوى المحلي والجهوي.
لقد غنى الفنان لحسن اشيبان من أجل السلام والتعايش، من أجل الحب، ومن أجل الطبيعة، ومن أجل الأم وما تحمله من هموم وعواطف، ومن أجل رفع المعاناة عن المقهورين. وجالس العلماء والأدباء والباحثين.
له رصيد ضخم من الأغاني والألبومات، شارك بها في عدة مهرجانات وحفلات وطنية. كما حصل على عدد كبير من الجوائز والميداليات.

الفنان لحسن اشيبان رجلا وديعا، كريما، معطاء، وزاهدا لا تهمه الماديات. سألته عن مبلغ أتعابه، أجابني بدون تردد بصوته الدافئ “أعطيو لي بغيتو ما كاين مشكل”. ورغم شهرته وإشعاعه الفني الهائل كان ولا يزال في قمة التواضع.
الفنان لحسن اشيبان وطنيا غيورا على بلاده، فخورا بهويته الأمازيغية، يحب المغرب ويدافع عن وحدته الترابية. وقال في اختتام حواره مع مجلة ” الأنباء ” موجها مخاطبا الشباب:”حافظوا على وحدة المغرب، المغرب أمانة في عنقكم”.
الفنان لحسن اشيبان محبوبا لدى المغاربة ومعروفا بحبه للخير وللوطن، يجمع على حبه كل المغاربة سواء الناطقين بالأمازيغية أو العربية، وكثير هم المغاربة الذين لا يفهمون اللغة الأمازيغية، ولكن تواضعه وعبقريته ومكارم أخلاقه حببت الأغنية الأمازيغية للجميع.

وفيما يلي النص الكامل للحوار :
كيف يقضي الفنان لحسن اشيبان يومه في الريش ؟

أولا شكرا لهذا المنبر على الاستضافة، أما عن يوم الريش فإني أقضيه كباقي الناس، ففي الزوال أقيل شيئا ما وبعد الظهر أخرج  إن كنت في المدينة، فغالبا ما أخرج في أوقات الصلاة، فأغتنم الفرصة للجلوس مع أبناء بلدتي والتحدث معهم، وفي جزء من نهاري أنكب على قراءة  قصة أو كتاب، وفي الليل أقضي جزءا منه في السمر  مع الأحبة والأصدقاء إلى حدود منتصف الليل فأنصرف لتناول وجبة العشاء.

ماذا عن الشعر أو  ” إموريك ” ؟

أما عن ” إموريك ” فالأزمة التي نعيشها اليوم هي أزمة جمهور وليست أزمة شعر، علينا اليوم قلب السؤال في اتجاه الجمهور لنسأله كيف ينظر إلى الفنان؟ وهل ما زال وفيا للكلمة الشعرية؟ فالفنان بطبعه قد نجده بارعا، وقد نجده ضعيفا شيئا ما، لكن الجمهور اليوم – هداه الله –  أغلبه يمكن أن نقول إنه خائن للأغنية وللفنان، ومن تم علينا ألا نبقي سؤالنا على الفنان علينا أن ننتقل بهذا السؤال إلى الجمهور ونسائله عن مدى تقديره للفنان ؟ وظاهرة أزمة الذوق الفني لم تكن محصورة على فن دون آخر بل هي عالمية  توجد في أمريكا وفرنسا ودول عديدة.

البعض يقول بأن  الشعر الأمازيغي بدأ يستعصى فهمه نتيجة كلمات جديدة اكتسحت لغته، ماذا يرى لحسن اشيبان ؟

الظاهر هو أن القائلين بهذا الرأي يقصدون اللغة المعيارية، فبخصوص هؤلاء الأشخاص الذين يتبنون هذه اللغة المعيارية فأنا عندي موقف من هؤلاء  إذ لا يمكن أن نصلح قرونا عديدة في ظرف سنتين بلغة نسميها معيارية وأقول لهؤلاء ” من أين لكم هذا “؟ وأرى أن الإشكالية حوصرت في ثلة من الأساتذة  انكبوا على تكوين جمعية  لغرض ما …!!!  وأكثر من هذا فهذه اللغة خالية من الصدق، لأنها ثمرة لأغراض كل واحد من هؤلاء بحكم  موقعهم الثقافي ومكانتهم الاجتماعية، فبادروا إلى صنع  مصطلحات غريبة أقحموها  في اللغة الأصلية  على سبيل المثال ” أدليس ” الذي قالوا بأنه هو الكتاب والقائمة كثيرة، أقول لهؤلاء من أين أتيتم بمثل هذه الكلمات التي لا يعرفها إلا أنتم؟ أهذه هي اللغة المعيارية؟.

قد تكون كذلك لديكم فقط !!!  فالمعجم اللغوي ينكب عليه مئات من اللغويين في ظرف مئات من السنين، ويأتي هذا الأستاذ أو ذاك لوحده  في ظرف 5 أو سبع سنوات ليبدع  معجما …هذا ضرب من استبلاد الذات، لماذا لم يصعد هؤلاء أعالي الجبال لجمع اللغة الأمازيغية كما فعلت العرب زمان جمع اللغة العربية بالتواتر والإسناد …؟ لكن هؤلاء بدل أن يقوموا بذلك استحلوا الركون بحي ” أكدال ” بالرباط وعاشروا الطبقة الراقية، ولا علاقة لها بالأمازيغية، وهؤلاء هم الذين ينتظر منا أن نأخذ عنهم الأمازيغية ..، أقول : إذا أردنا أن نصلح أنفسنا علينا مراجعة ما بذاتنا من الناحية اللغوية وألا يقول هؤلاء باللغة المعيارية، وألا ينسبوا الثوابت لأنفسهم …وهذه المسألة طبعا فيها نقاش وجدال، فأنا لا أنادي بالقطيعة، ولست من الذين يرفضون الجديد، ولكن ما أنادي به هو أن نقوم بالإصلاح الحقيقي للغة الأمازيغية وترميمها وأرفض في الوقت نفسه أن تنظر الطبقة المثقفة الذين درسوا باللغة الفرنسية لشعراء  الأمازيغية من فوق البرج العالي وتصنفهم كأميين لا يتقنون القراءة  وأن لغتهم ليست معيارية…من خول لهذه الطبقة حق هذا الحكم ؟  بالعكس الأغنية الأمازيغية التي يتداولها الشعراء هي التي حافظت على اللغة الأمازيغية  إذ لولاها ما كنا لنجد اليوم هذا النزر القليل من لغتنا الأمازيغية لدى الرحل والطوارق وأمازيغي العالم والمستقاة من مصادر عديدة.

هناك من الشعراء الأمازيغ رغم أنهم أميون استطاعوا أن ينظموا قصائد رائعة…كيف تنظر إلى ذلك ؟

هناك من الشعراء القدامى من يتعمد إدخال اللغة العربية في أشعاره ليس لكونه أنه عاجز على النظم بالأمازيغية الصرفة وإنما  لكون استعمال اللغة العربية يوم ذاك يعد ضربا من ” الموضة ” الجمالية في نظم الشعر، ومن تم نقول بأن هؤلاء الشعراء سايروا عصرهم  وعبروا عن واقعهم المعيش. وقد استطاع هؤلاء الشعراء أن يصنعوا جمهورا أصبحنا جزءا منه بحكم ازديادنا في الخمسينات  بحيث كنا نتلهف لسماع برامج  الإذاعة الوطنية التي كانت ثلة من الصحفييين رحمهم الله ينشطونها، وكنا نحرص على متابعة هذه البرامج الخالدة مدة ثلاث ساعات من الثامنة مساء إلى منتصف الليل، وما ميز هذه المرحلة هو الذوق الرفيع والصدق في العمل، أما اليوم فالذوق أضحى مقلوبا إن كنت صادقا ملتزما بدل أن يصفوك بالأصيل  ينعتوك بالرجعية  إن طورت أداءك لينسجم مع العصر نعتوك بالانسلاخ والارتماء في أحضان الذوق الغربي، ولا أدري كيف سنرضي هذا النوع من البشر …؟

ذكرتني ببيت شعري غناه صاحبه  قبل سنوات قال فيه : ” غاد ءيسماون  غاد ءيموريك ءاميا ؤر باين ” أي : ما أكثر الأسماء  وما أكثر الأشعار بلا فائدة تذكر ، أما زال الوضع كذلك ؟

ليس من حقي  أن أكون ناقدا، وإنما دققت يوم ذاك ناقوس الخطر بعدما بدأت الميوعة تشيع في المجال الشعري، بيد أن المجموعات الغنائية  الموجودة في الساحة آنذاك  كلها  أقطاب ومدارس الأغنية الأمازيغية العصرية التي لم تقبل لدى الناس إلا  بشق الأنفس، وكانت المنافسة شريفة  بحيث ما أن تظهر مجموعة غنائية لا يقبلها الجمهور إلا بعد أن تمتحن وتبين براعتها من خلال أدائها الجيد، وجاءت بعد ذلك فرق غنائية أخرى تتأرجح بين قبولها ورفضها من قبل الجمهور، ولذلك دققنا الناقوس إعلانا للخطورة.

 يعني بصريح العبارة قلنا لهذه الفرق راجعوا أنفسكم  فإنكم  دون المستوى المطلوب، مع حسن الحظ أن الجمهور آنذاك ما زال له ذوقا فنيا رفيعا لم يصل بعد من رداءة الذوق إلى ما وصل إليه اليوم، ومن تم نخلص إلى ما ذكرنا آنفا إلى عدم مساءلة الفنان بل يجب مساءلة الجمهور من أين له هذا الذوق، ونحمل الإعلام حصة الأسد من المسؤولية  في إفساد الذوق العام لدى الأمازيغي ولدى المغربي ككل، وألا ننسى أن الإعلام هو بمثابة تربية يومية  ومتنفس، ونتمنى من إعلامنا أن يتصالح مع جمهوره ومع التاريخ، كيف ذلك ؟ أن يعيد النظر في برمجاته ووصلاته، حتى الإشهار تخضعه بلدان العالم للمعيار وما بالك بالشعر والأغنية…وفي خضم هذا الزخم  فالفنان الملتزم يعلن تدمره ويصيح بأعلى صوته اللهم أن هذا لمنكر …أنظر كيف يعامل هذا الفنان المخلص لوطنه ولهويته ولأغنيته الملتزمة وذات جودة، و نرجأ ذلك إلى ما قاله الناظم :

يا الله يالله غاد لعار ءيغد ءيفاغ   / يا إلاهي  ما أكثر هذا الشر

غي ليغ تين ؤر نتام كايي ءيضران  / لا يؤلمني  إلا ممن لا أتوقعه منه

ءيما يان دا معاداغ ءيغ ءيوت ؤراغ ضرين / أما من عاداني فلا تؤلمني ضربته

لكن ما أتأسف إليه  كثيرا هو أن يستدعى فنانون من الخارج إلى بعض  المدن، ونفهم من ذلك أن المستضيفين يبعثون لنا رسائل من خلال هذا السلوك مفادها أن هؤلاء الفنانين الآتون من بلدان الخارج  أحسن منا مع أن الواقع ليس كذلك، بمعنى آخر أننا نخضع في هذه الحالة إلى تصنيف قد يصل إلى الدرجة الثالثة وقد يستغنى عنا..

الفنان الملتزم في هذا الوضع  بين المطرقة والسندان، هل الفنان اليوم محصن بهيئة نقابية تدافع  عن مطالبه ؟

(ههههه ضاحكا ) ذكرتني بمثل يقول :

ؤرا باهرا ءيتماطال يان غ كر ءيفولوسن هان را ءيتودان  / على المرء ألا يتأخر طويلا بين الدجاج فقد يؤذن

طامتنا الكبرى نحن الفنانين هي نقابتنا فوجودها عدم، لكون هذه النقابة أورثناها الصفة النقابية فلفت علينا  كسد منيع  ضد مصالحنا  فاستفردت بالامتيازات …فالفنانون الملتزمون اليوم لم يستمر منهم إلا ” الأيوبيون ” أي الصبورون، ومن تم  فالذي يعيد الدماء في وجوهنا هم أمثالكم( جزاكم الله خيرا ) من الصحفيين الصادقين الذين يحملون معنا هذا العبء و يتذكروننا ولا يخشون في الله لومة لائم …فنحن نفرح بصحفي إذا قابلنا وسمع لنا وأن يبكينا ويساعدنا لكي  نبكي خير من أن تظل الدموع معلقة بأعيننا، أن يسأل عنك إعلامي كأن تعيد المريض وتسأل عن وضعه الصحي، فتحية لبعض المنابر الصحفية التي تنمي الجانب الايجابي في الفنان وتشجعه على الإنتاج الملتزم .

وفي سؤال عن الفنان محمد رويشة قال لحسن اشيبان: ” مستحضرا صورة الراحل ومساره :«ما عرفنا إلا النزر اليسير منه، لأنه لم يكن معنيا بما أنجز، بقدر ما هو معني بما سينجز، ولم يكن كغيره يعشق الأنا ويتغنى بها، بقدر ما كان يحب الآخر والأرض، الأرض التي بعثها أغاني وإيقاعات. نشعر أنه قطعة من الوطن حين يكون بيننا، وبيننا دوما كان قابضا على أيام البلاد، كما القابض على دينه هذه الأيام، وكانت تقاسيمه مفعمة بحكايا الجدات على مسطبات الروح، ومواويله يجد فيها كل آلامه وآماله، تفوح من ترانيمها رائحة العرعار والأرز ومختلف أعشاب غابات الصنوبر، وتنبجس من ثناياها عيون الماء الدالة على عطائه الثر الغزير، كتلك التي تفيض بها عيون منابع أم الربيع».

أشكر كثيرا منبر “مجلة الأنباء”  على هذه الاستضافة الشيقة وعلى  ما تفضلتم به من أسئلة في صميم الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll Up
error: المحتوى محمي !!