انتفاضة ملك  وشعب

في يوم 9 أبريل 1947، قام جلالة المغفور له محمد الخامس بزيارة تاريخية لمدينة طنجة حيث ألقى خطابا حدد فيه مهام المرحلة الجديدة للنضال الوطني، وتأكيده على مطالبة المغرب باستقلاله ووحدته الوطنية. وقد شكلت تلك الزيارة محطة حاسمة، جسدت إرادة حازمة في مطالبة المغرب بحقه المشروع في الاستقلال والحرية، وتأكيده على وحدته الترابية وتشبثه بمقوماته التاريخية والتزامه بانتمائه العربي والإسلامي، وتجنده للدفاع عن مقدساته الدينية وثوابته الوطنية وهويته الثقافية.

ففي حمأة هذه الظروف العصيبة التي احتدام فيها الصراع بين القصر الملكي وسلطات الإقامة العامة، والتي تمثلت بوضوح في المواقف الوطنية التي أبرزها بطل التحرير جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، أقدمت السلطات الاستعمارية على اقتراف مؤامرتها بنفي السلطان الشرعي ورفيقه في الكفاح، جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني والأسرة الملكية يوم 20 غشت 1953 إلى جزيرة كورسيكا ومنها إلى مدغشقر.

وما إن عم نبأ نفي ملك البلاد، حتى انتفض الشعب المغربي انتفاضة عارمة وتفجر غضبه في وجه الاحتلال الأجنبي رافضا المس بكرامته والنيل من رمز سيادته، وعمت المقاومة كل أرجاء الوطن وتشكلت الخلايا الفدائية والتنظيمات السرية وانطلقت العمليات البطولية لضرب غلاة الاستعمار ومصالحه وأهدافه. وفي هذا السياق، نظمت عمليات للمقاومة أدت إلى استشهاد العديد من الوطنيين أثناء مقاومتهم للاستعمار، من أمثال عملية الشهيد علال بن عبد الله (11 شتنبر 1953)، والعمليات الشهيرة للشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايا المقاومة بالدار البيضاء وعمليات مقاومين ومجاهدين بمختلف مدن وقرى المغرب لتتصاعد وتيرة الجهاد بالمظاهرات العارمة والانتفاضات المتواصلة وتتكلل بانطلاق  عمليات جيش التحرير في أكتوبر 1955، بمناطق الشمال والجهة الشرقية،  وباقي جهات البلاد بما فيها الأقاليم الجنوبية التي شهدت ملاحم بطولية ومعارك ضارية خاضها أبناء هذه الربوع المجاهدة للدفاع عن وحدة الوطن وسيادته.

وكان من نتائج ذلك، رد السلطات الاستعمارية بالحملات القمعية والمضايقات والملاحقات التي مارسها المستعمر تجاه الوطنيين المناضلين المخلصين، أذ سقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، إلا أن ذلك لم يثن الشعب المغربي عن مواصلة مسلسل النضال الوطني، وبلورة مواقف جديدة للمطالبة بالاستقلال، لم تهدأ ثائرتها إلا برضوخ الاستعمار لإرادة العرش والشعب وعودة الملك محمد الخامس وأسرته  من المنفى إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955 حاملا بشرى الاستقلال ومعلنا انطلاق معركة الجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي لبناء المغرب المستقل وتحقيق وحدته الترابية.

وتواصلـت مسيـرة التحرير واستكمال الاستقلال الوطنـي باسترجاع طرفاية يوم 15 أبريل 1958، وسيدي إفني في 30 يونيو 1969، لتتوج هذه الملحمة البطولية بتحرير ما تبقى من الأجزاء المغتصبة من الصحراء المغربيـة بفضـل التحـام العرش والشعـب، وحكمة مبدع المسيرة الخضراء المظفرة جلالة المغفور له الحسن الثاني، بتنظيم المسيرة الخضراء “التي تعتبر نهجا حكيما وأسلوبا حضاريا في النضال السلمي لاسترجاع أراضيه الصحراوية المغتصبة، وحققـت الهدف المنشود والمأمـول منها بجـلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية في 28 فبراير 1976 واسترجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979”.

وستظل  ملحمة ثورة الملك والشعب، التي تكللت بالعودة المظفرة لبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس محفوفا بوارث سره ورفيقه في الكفاح جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراهما، والأسرة الملكية الشريفة، من المنفى إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، وإعلان بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال، مترددا تستحضرها الأجيال المتعاقبة، وتنهل من دروسها التي تجسد الالتزام في أجل صوره بين الشعب المغربي والعرش العلوي.

وستبقى هذه الذكرى العظيمة شعلة مضيئة، وعنوانا للوفاء والإخلاص، ولذلك يحرص جلالة الملك محمد السادس على استحضار دلالاتها كلما حلت مناسبتها الجليلة، ليعيد للأمة صورة من تاريخها المجيد وبطولتها الخالدة. قال، حفظه الله، في خطاب 20 غشت 2000، “وعلى الرغم من أنه مر على أحداث هذه الثورة نحو نصف قرن، فإن وقائعها ما تزال متمثلة في أذهان المغاربة المطبوعين على الوفاء والإخلاص، ومرتسمة في قلوبهم، يستحضرونها كل عام، وسيظلون مستذكرين لها مهما امتدت السنون والأعوام، ومن خلالها يسترجعون صحائف رائعة من التاريخ المجيد الذي كتبه أبناء هذا الوطن بدمائهم الزكية الطاهرة بأحرف نورانية باهرة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll Up
error: المحتوى محمي !!