لـــوموند24:متابعة: هناء فلاح

في يوم بللت فيه الأمطار سهول الشاوية وبني مسكين، وفي احتفال كبير بمناسبة الملتقى الثقافي الثاني المنعقد بجماعة بني خلوق دائرة البروج ، منذ صبيحة يوم السبت 24 مارس 2018 وإلى غاية  عصر نفس اليوم،واحتفاءً بالباحث جاك بيرك، وبحضور جمهور غفير من ساكنة المنطقة ورجال ونساء وحضور قدم من مدن متعددة، من متتبعين وطلبة مغاربة وصينيين وأساتذة وباحثين قدموا من جامعات الدار البيضاء وسطات والجديدة ومكناس وأكادير.

احتفال جمع بين جامعيين وباحثين ومسؤولين جماعيين في العالم القروي، هاجسهم فك شفرة التنمية والمعرفة بالعالم القروي بالمغرب.في لقاء التأم بإشراف علمي لمختبر السرديات والخطابات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الانسانية بنمسيك بالدار البيضاء ، وتنظيم المديرية الإقليمية للثقافة بسطات والجماعة الترابية لبني خلوق بدائرة البروج بني مسكين وبتنسيق مع جامعة الحسن الأول بسطات وجهة الدار البيضاء سطات والمجلس الإقليمي لسطات.

انطلقت الجلسة الافتتاحية التي ترأسها شعيب حليفي حيث ألقى كلمة اللجنة العلمية للملتقى، ومما جاء فيها حديثه عن دور المثقف والبحث العلمي في المغرب، ولا بد من ثورة حقيقية تطول البحث العلمي المغربي في ارتباطه بالمجتمع والإنسان. وأضاف،نحن لا نريد ثقافة الترف والصالونات والغرق في جزئيات تهم عوالم غير عالمنا ، وإنما نريد بحوثا عن حياتنا وهوامشنا تمنح الأمل لمجتمع ناهض وإنسان يبحث عن الانعتاق.

بعد ذلك تناول الكلمة السيد عبد الرزاق الناجح رئيس المجلس الجماعي لجماعة بني خلوق والذي ثمن أشغال الملتقى الثاني الذي هو لبنة تنموية أساسية، مذكرا بإنجاز حديقة ابن عربي كما تم التنصيص عليها في الملتقى الأول في السنة الماضية. وفي ختام كلمته قدم شهادة تكريمية لأبناء واحد من مؤسسي المدرسة بالمنطقة المربي المرحوم عبد السلام غنام، كما تم الاستماع إلى كلمة بالمناسبة من أحد أفراد العائلة؛ كما تم تقديم شهادة تقديرية للسيد الكاتب العام لعمالة سطات.

وفي كلمة جامعة الحسن الأول بسطات، تحدث الأستاذ رياض فخري عن دور الجامعة والبحث العلمي في بناء المجتمع المغربي، مؤكدا التزام الجامعة وأساتذتها دعم كل المبادرات التي تمنح حياتنا أفقا جديدا.

أما كلمة المديرية الإقليمية للثقافة بسطات والتي ألقاها السيد بوشعيب الإدريسي فقد انصبت على توجه المديرية في اتجاه ثقافة القرب التي أثبتت جدواها وفاعليتها.

بعد الجلسة الافتتاحية، انطلقت جلسة المداخلات العلمية والتي ترأس أشغالها الأستاذ محمد الشيخ ممهدا لها بورقة  تمهيدية بالمحاور الكبرى والأهداف العامة.

أول متدخل الأستاذ حسن عبيابة (شعبة الجغرافيا-  كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء)  في موضوع “توظيف الموروث القروي في التنمية”، حيث توقف عند سبل البحث عن تطوير المناطق القروية وتوفير الموارد المالية عن طريق الموروث الثقافي وتنشيط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمحلية، وأكد الأستاذ حسن أنه بالإمكان توظيف هذا الموروث المتنوع في العالم القروي ليصبح مصدر تمويل وإشعاع ثقافي واجتماعي.وأشار  أن هذا الموروث متعدد من حيث الأغاني والشعر والطقوس والعادات والثقافات المحلية والمواسم الثقافية مقترحا جعل القرية قبلة للمهتمين والراغبين في الاستمتاع. واقترح الأستاذ عبيابة مشروعا متكاملا قابلا للتنفيذ.

الورقة الثانية للأستاذ  عبد المجيد الجهاد(شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع -كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء)حول “الحياة القبلية والمواثيق الرعوية ببني مسكين” حيث شكلت القبيلة موضوعا مركزيا لمجمل الدراسات السوسيولوجية والأنتربولوجية حول المجتمع المغربي، منذ بدايات التمهيد لاستعمار المغرب، حين عمدت السلطات الاستعمارية إلى تكليف العديد من المراقبين المدنيين وضباط الشؤون الأهلية والباحثين المتخصصين من آفاق معرفية متعددة، بجمع المعطيات والمعلومات حول التنظيمات القبلية، وضمنها قبيلة بني مسكين. ولما كان الهدف من هذه الدراسات محكوما بخلفيات استعمارية،جاءت نتائج معظم الأبحاث في هذا المجال مليئة بالأوصاف الغنية من حيث مضمونها التصويري، لكنها فقيرة من حيث أبعادها النظرية.

في مواجهة هذه الطروحات الاستعمارية، يقول الأستاذ الجهاد،سعى جاك بيرك إلى تفكيك بنية الخطاب الكولونيالي المسيج بمفاهيمه الدوغمائية، وفرضياته وأحكامه المسبقة، وذلك بتحليل عناصره، والكشف عن خلفياته النظرية والمعرفية وأبعاده الإيديولوجية.

أما مداخلة الأستاذ محمد الغيلاني (الفلسفة والسوسيولوجيا-كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس) حول “السوسيولوجيا في مواجهة أسئلة المجتمع” فقد ركزت على جملة من الأسئلة ذات الصلة بوظيفة السوسيولوجيا في سياق مجتمع مغربي متحول. يتعلق الأمر بمجتمع في طور انتقالي حيث تمتد مظاهر الانتقال لتشمل عالما قرويا في مقابل عالم شبه مديني. غير أن هذه المظاهر ليست مستقلة في انبنائها الاجتماعي، إذ تخترق البادية المغربية مظاهر المعاصرة والتحديث بالقدر الذي تخترق فيه مظاهر البداوة الحياة في المدينة.

وتساءل الأستاذ الغيلاني عبر مجموعة من التساؤلات الإشكالية: كيف يمكن توظيف هذا الاختراق لفهم ظاهرتين اجتماعيتين عدتا على الدوام منفصلتين كما لو أنهما حقلي بحث متمايزين؟ ألا يمكننا اليوم أن نفهم الكثير من الظواهر القروية من خلال المدينة، وأن نفهم نظيرتها في المدينة من خلال القرية؟ ما الذي يجمع بين طبيعة الجريمة (مثلا) في كل من المدينة والقرية؟ وكيف تتقاطع عوامل تشكل الرأي العام في المدينة والقرية؟ كيف يمكن للسوسيولوجيا أن تساعدنا على فهم ظواهر المدينة من خلال ظواهر القرية؟ وأخيرا ما الذي يمكن للسوسيولوجيا القروية أن تتيحه لتفسير أعمق ولفهم أشمل للمجتمع برمته؟

وحول ” أعطاب التمدرس بالعالم القروي وكلفته الاجتماعية” تدخل الأستاذ عبد الهادي أعراب(علم الاجتماع -كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة) معتبرا أن العالم القروي بوابة أساسية للإمساك بعناصر الثقافة المغربية وفهم دور القيم والمعايير من حيث هي أطر فكرية مرجعية للسلوك والفعل ومفاتيح لا غنى عنها لمعرفة واقع الصعوبات التي تمس تمدرس الأطفال به سيما الإناث منهم. من هذا المنطلق العلمي الذي يركز على دور العناصر الثقافية في فهم السلوكات والممارسات، حيث المسعى اتجه نحو متابعة الأسباب العميقة لمجموعة من الملامح الدالة سوسيولوجيا على الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للتمدرس، بدءا بأشكال الانقطاع والتسرب والتغيب والفشل الدراسيين وكذا الانسحابات المتكررة وصولا لمستويات من الهدر  التي تضع المدرسة بالوسط القروي أمام مآزق كبرى ومكلفة.

وانطلقت ورقة الأستاذ محمد قديري  ( علم الاجتماع – كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير) التي همت “تأثير تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج على التنمية الاجتماعية والاقتصادية لأسرهم القروية بمنطقة “وادي زم”، بالإشارة إلى  الإمكانيات والفرص التي أتاحتها تحويلات المغاربة المهاجرين إلى كل من دولتي إيطاليا وإسبانيا، بالمجال القروي لمدينة وادي زم. بحيث تتمحور الإشكالية حول أثر مساهمة هذه التحويلات على التنمية الاجتماعية والاقتصادية بالمنطقة. كما ركز الأستاذ على المجالات الأساسية المرتبطة مباشرة بالأسر القروية، خاصة فيما يتعلق بالاستثمار سواء في العقار في المجال القروي، بالحصول على أراض فلاحية جديدة، أوفي المجال الحضري بالحصول على قطع أرضية أو مساكن جديدة، أو بالاستثمار في المشاريع الفلاحية الصغيرة من قبيل تربية الماشية أو الزراعة. وكيف استطاعت هذه التحويلات أن تحد من الفقر الذي كان يمثل العامل الرئيسي لهجرة أبناء المنطقة إلى الخارج.

آخر متدخل في هذا الملتقى الثاني الأستاذ عبد الجبار عراش(العلوم الإدارية والسياسية – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات) في موضوع  حول “المشاركة السياسية للمرأة القروية في الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة”، مبرزا كيف عرف العالم القروي تحولات في البنيات والممارسة التقليدية وهو ما يمكن نعته بالتغيير الذي يحدث في ظل أشكال عديدة من الاستمرارية وليس عبر القطيعة مع الماضي تكون ذكورية العائلة الممتدة والحزب والدولة أحد تمظهراتها.  وهو ما دفع بالأستاذ إلى تسليط بعض الضوء على مكانة المرأة القروية في الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة وفق منهج استقرائي قائم على الملاحظة والمعاينة، وذلك من خلال إيجاد بعض عناصر الإجابة على سؤالين محددين لا يحظيان بالاهتمام الكافي في علم الاجتماع السياسي (القروي)وهما: لماذا لا تتوفر المرأة القروية على دور تأثيري في العملية الانتخابية؟ وما هي المعيقات التي تحول دون ذلك؟

وعرف النقاش، بعد نهاية المداخلات، تدخل عدد من الحضور ،والذي  فتح مساحة جديدة من التفكير في علاقة العالم القروي بالمعارف والتنمية، من جهة ، والهوية والذاكرة والمستقبل من جهة ثانية.

ترك الرد