لـــوموند24: محمد بنعبد الرحمان زريزر

نظمت مفتشية التعليم وجمعية مدرسي اللغة العربية للتنمية الثقافية والاجتماعية بمديرية سيدي البرنوصي، يوم السبت 17مارس 2018، بمؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم ـ نادي الفردوس سيدي البرنوصي، ابتداء من الساعة الرابعة مساء؛ ندوتها العلمية الرابعة التي حملت عنوان: «قضايا حارقة في روايات الكاتب عبد الرحيم بهير»، شارك فيها ثلاث نقاد شباب؛ متشبعين بحرقة السؤال؛ هم: أحمد بلاطي، وسعيدة كنافي، وسالم الفائدة. ونسق أشغالها:عبد الحكيم جابري ومحمد محي الدين. وقد سير اللقاء حكيم جابري الذي رحب بالحضور وبالمشاركين، ومعرفا بالكاتب عبد الرحيم بهير، وبأهم مؤلفاته سواء في مجال الرواية أو كتابة السيناريو للتلفزيون المغربي.

وسم المتدخل الأول؛أحمد بلاطي ورقته بـ «الهوية السردية وانسجام العالم السردي في رواية «صَلَوَاتُهُمْ»، معتبرا قضية الهوية من القضايا التي استأثرت باهتمام الروائيين والمبدعين، والتي يتم إبرازها والدفاع عنها أو هدمها وتخريبها وكشف تناقضاتها وزيفها من خلال الصراع الذي تعيشه الشخصيات في لحظات الأزمة لاتخاذ القرارات الملائمة التي تتوافق مع ما نشأوا عليه من معايير وقيم ودرجوا عليه من معتقدات، مؤكدا أن معالجة هذه القضية الخطيرة لا تتم بمعزل عن بناء عالم سردي منسجم يمثل مسرحا لما يعيشه الفرد (الشخصيات) وما تعيشه الجماعة التي ينتمي إليها، وأي خلل على مستوى العالم السردي فإنه يصيب قضية الهوية في مقتل.
كما توقف عند معالجة عبد الرحيم بهير في روايته صلواتهم، الصادرة سنة 2007، لحظة مهمة لحظات التاريخ المغربي، شكلت مفترق طرق وجد فيه اليهود المغاربة أنفسهم في دوامة الاختيار بين الوطن الذي يعرفونه وولدوا فيه أبا عن جد، ومنذ آلاف السنين، وبين وطن طارئ ينبغي أن يهاجروا إليه. ومن خلال قصة حب جمعت بين إبراهيم المسلم وراشيل اليهودية، تمت معالجة قضية الهوية بسبب رفض الجميع لهذا الزواج، نتيجة تراكمات تاريخية عانى منها اليهود، وقرائن ظرفية أدت في النهاية إلى حسم قرار الهجرة خارج المغرب.
غير أن العالم السردي الذي بناه الروائي لم يكن مقنعا، وبدا مفتعلا، جعل المعالجة سطحية تفتقر إلى الإقناع والمصداقية، بسبب قصور التقنيات والاختيارات الفنية التي قام بها الروائي سواء من خلال الرؤية السردية أو من خلال السارد وضمير السرد.
وقدمت المداخلة الثانية؛ سعيدة كنافي،والتي عنونتها بـ «مقاربة النوع في رواية زحف الأزقة»، وحاولت من خلالها استجلاء جمالية الغلاف المثير، ومقاربة العنوان من جوانب متعددة، واتخاذهما معبرا لعوالم الرواية، حيث وضعت عناوين رئيسة، لكل زاوية من الزوايا التي اكتشفتها داخلها،إذ وسمت الزاوية الأولى بـ «المرأة رمز الخيانة والشر باختلاف دياناتها»، موضحة ذلك من خلال مجموعة من مقاطع الرواية، ثم الزاوية الثانية التي عنوتها بـ»خريطة الجسد الانثوي»والتي أبرزت من خلالها سيميائيات الجسد الأنثوي الصارخة في الرواية، وبعدها الزاوية الثالثة»النساء وعاء للمتعة فقط»، ثم الزاوية الرابعة «المرأة ومسؤولية التكاثر الطبيعي»وتجسدت هي الأخرى في العديد من مقاطع هذه الرواية .
أما المتدخل الثالث سالم الفائدة،فاشتغل برواية «جبل موسى»،الصادرة في يناير من سنة 2017، محاولا تقريب العالم الحكائي للنص، مبرزا قدرة الكاتب على نسج الحكاية التي صارت تفتقدها الكثير من الأعمال السردية، بفعل الانغماس في موجة التجريب الروائي التي سادت سنوات الثمانينيات والتسعينيات، ليتناول بعد ذلك أهم الموضوعات التي أثارها النص، مركزا على  موضوعة الدين من خلال تناول أسئلة النص الروائي، ومذكرا بما قاله الناقد والمفكر موريس بلانشو، في كتابه «أسئلة الكتابة»، قبل أن يشير إلى  أن الروائي يثير عددا من الأسئلة الدينية والوجودية، ومنبها إلى ما تحمله عتبة العنوان من دلالات دينية وتاريخية، ومقدما لجملة من الأسئلة التي طرحها الكاتب في روايته، غير أن طرح هذه الأسئلة في نظره لم يكن مرتبطا برؤية  فكرية تم التعبير عنها من خلال مسار سردي، أي أنها لم تطرح في النص تتويجا لحبك وبناء حكائي، يبرر وجودها وطرحها، إذ سرعان ما يشعر القارئ أن هذه الأسئلة مقحمة إلى نسيج النص وكأنها فرضت فرضا، مما يجعلها تسهم في نفور القارئ، بدل دفعه وفق رؤية فنية إلى طرحها بنفسه، وقد ذكّر الباحث في هذا السياق، بالأسئلة الوجودية التي تأتي تتويجا لمسار حكائي وفني، مثل تلك التي صاغها الروائي الكبير نجيب محفوظ في روايته «أولاد حارتنا»، أو تلك التي طرحها يوسف زيدان في روايته «عزازيل».
الموضوعة الثانية التي تناولها الباحث سالم الفائدة في قراءته؛ هي موضوعة «السياسة»، حيث بين حضورها من خلال التركيز على شخصية «عبد الحكيم» المهرب الأمي الذي احترف السياسة بحثا عن المال والسلطة والنفوذ، فحقق ما أراد من نجاحات (عبر توظيفالخطاب الديني والشعبوية) قادته إلى قبة البرلمان، غير أن الروائي ينتقم منه في لا وعي النص، من خلال جعله غير قادر على الإنجاب.
إلى جانب ذلك تناول الباحث في ورقته النقدية موضوعا مثيرا داخل العمل الروائي والذي كان من اللازم الانتباه إليه، قبل طباعة النص، حيث تثير بعض المقاطع النصية نزعة عنصرية، خاصة عندما يصف الأفارقة الذين يحاولون القفز من السياج الفاصل في القرية المحاذية لسبتة، بـ «القرود»، وهنا نبّه الباحث إلى ضرورة الوعي بالكتابة ومراجعة العمل، فالروائي لا ينبغي أن يمارس فعل الكتابة «بنوايا طيبة»، بل عليه أن يتسلح بمكر اللغة وحيل الكتابة وفق رؤية فكرية وفنية منسجمة، ليختم الباحث كلمته بالدعوة إلى الرقي بالكتابة الروائية عبر التسلح بالمعرفة، فالكتابة الروائية ليست مجرد نقل أو تصوير مرآوي للواقع، بل هي بحث وخلخلة للبنيات وتنوير للذات الجماعية عبر إثارة الأسئلة وكشف للتناقضات والصراعات الخفية والظاهرة في المجتمع والحياة.
وبعد تقديم المداخلات، عبر الكاتب عبد الرحيم بهير في كلمته عن شكره وامتنانه للحضور وللمتدخلين، وأبرز رأيه حول نقدهم المتمرس لرواياته، معتبرا نفسه كاتبا جذبه الأدب من عوالم القانون، وألقى به في غيابات التعبير عن مكنون أفكاره، رغم عدم امتلاكه الجيد لناصية اللغة العربية. كما وصف بداياته الأولى مع رواية الفقدان، التي فتحت له مجال كتابة السيناريو بطلب من المخرجة فريدة بورقية في أول عمل في هذا الميدان وهو مسلسل «ولاد الناس»، مؤكدا على أنه كاتب يستقي مادته الخام من الواقع المعيشي، وينصهر داخل كتاباته.كما فتح باب النقاش مع الحضور تم من خلاله التعبير عن وجهات نظر مختلفة ومتنوعة بصدد القضايا الحساسة التي تطرحها روايات بهير.

ترك الرد